المؤسسة التربوية وشركائها
I.
مفهوم الشراكة في المجال
التربوي :
1.
تقديم :
تجسيدا لمطلب الانفتاح على المحيط، تحتاج
المؤسسة التربوية إلى إبرام اتفاقيات الشراكة مع مختلف الفاعلين سواء من داخل
البيئة المحلية أو من خارجها، وذلك لإعطاء هذا الانفتاح بعدا تنمويا يؤسس لعلاقات
جديدة بين المدرسة والمجتمع، قائمة على مبدأ المنفعة المشتركة والانخراط التشاركي
في تنمية المحيط تربويا واقتصاديا واجتماعيا.
و تعد الشراكة شكل من أشكال التعاون تعقد بموجبه اتفاقيات بين طرفين أو أكثر،
ويؤطرها إطار قانوني يحدد التزامات وتعهدات كل طرف بانجاز ما تم الاتفاق عليه.
والشراكة تنبع من رغبة مشتركة في التعاون لتحقيق مصالح معينة تسعى إليها الأطراف
المتعاقدة.
2.
مكاسب الشراكة :
لا يمكن ان يجادل أحد فيما يمكن للشراكة
أن تدره من منافع و مكاسب على أطراف العلاقة التعاقدية وعلى المجتمع المعني بشكل
عام. فهي من جهة تمكن الأطراف المتعاقدة من اقتسام المصاريف المرصودة لانجاز
المشروع أو المشاريع المتفق بشأنها، مساهمة بذلك في تخفيض الكلفة. ومن جهة أخرى
يعتبر رهان ربح الوقت دافعا قويا لإنجاز اتفاقيات الشراكة، بحيث أن الشراكة تساهم
في انجاز مشاريع كانت ستبقى حبيسة المناضد والرفوف لسنوات في انتظار توفر الاعتمادات
المالية اللازمة. كما لا ننسى أنه كلما كانت المشاريع منجزة في إطار شراكة كلما
زادت الإرادة في الحفاظ عليها وصيانتها ولقد أثبتت التجربة أن المشاركة في انجاز
المشاريع يولد الشعور بامتلاكها، ويحفز الهمم للمحافظة عليها.
3.
المدرسة و الشراكة
من بين مهام مدير المؤسسة التربوية التي حددتها
المادة التاسعة من" المرسوم 376-02-2 " إبرام اتفاقيات
الشراكة وعرضها قبل الشروع في تنفيذها على موافقة مدير الأكاديمية الجهوية للتربية
والتكوين المعنية"، وعليه فإن المدير مطالب بالبحث عن آفاق للشراكة بين
المؤسسة التي يديرها وجميع الفعاليات التي يمكنها إفادة المدرسة سواء في مجال
التعبئة أو التمويل أو التجهيز أو التكوين أو التأطير ... إلا أن هذه المهمة
تستدعي مهارات في التواصل والتفاوض والتنشيط، وكفايات في التخطيط والتنظيم
والتوجيه والمراقبة، وقدرة على إقامة علاقات اجتماعية وإنسانية، مما سيمكنه من ربط
جسور الثقة مع فعاليات المحيط ودفعهم إلى المساهمة في الارتقاء بالخدمات التي
تقدمها المدرسة سواء على المستوى التربوي أو الاجتماعي.
II.
شركاء المدرسة :
"تيسيرا لتعميم تعليم جيد، وسعيا
لتقريب المدرسة من روادها وإدماجها في محيطها المباشر"، " فإن كل القوى
الحية للبلاد حكومة وبرلمانا وجماعات محلية، وأحزاب سياسية ومنظمات نقابية ومهنية،
وجميعات وإدارات ترابية، وعلماء ومثقفين وفنانين، وشركاء المعنيين كافة بقطاع
التربية والتكوين، مدعوة لمواصلة الجهد الجماعي من أجل تحقيق أهداف إصلاح التربية
والتكوين..." الميثاق الوطني للتريبية والتكوين – المادتين 23-29.
من خلال القراءة الأولى للمادة 23 من
الميثاق الوطني للتربية والتكوين يلاحظ أن إصلاح نظام التربية والتكوين يتطلب
انخراط مجموعة من الفعاليات سواء من داخل الفلك المدرسي أو من خارجه. إلا أننا
سنقتصر على بعض من هذه الفعاليات محاولين إبراز إسهاماتها ومجالات تدخلها.
1.
جمعية الآباء :
جمعية آباء وأولياء التلاميذ إطار مقنن
ومنظم يمثل آباء وأولياء التلاميذ بمؤسسة تربوية عمومية أو خاصة. وهي تخضع لقانون
تأسيس الجمعيات، ويسيرها مكتب منتخب.
وتعتبر جمعية الآباء آلية من آليات
التعبئة الاجتماعية من أجل تجديد المدرسة لما لها من أهمية وثقل داخل المحيط. فهي
المترجمة لفلسفة الإصلاح والتجديد داخل أوساط الأسر، وهي الضامن لمساهمة الآباء
والأمهات في دعم المدرسة، هذا الدعم الذي أصبح شرطا أساسيا لنجاح العملية
التعليمية- التعلمية، على اعتبار أن " التربية ليست وقفا على المدرسة وحدها،
وأن الأسرة هي المؤسسة التربوية الأولى التي تؤثر في تنشئة الأطفال وإعدادهم
للتمدرس الناجح". الميثاق الوطني للتربية والتكوين – المادة 16.
لذا يمكن اعتبار عملية تأسيس جمعية
الآباء من أهم الخطوات على درب الانفتاح على المحيط. وعليه فإن المدير مطالب
بالقيام بحملات تحسيسية داخل المجتمع المحلي من خلال الاتصال المباشر بالسكان لشرح
فكرة الجمعية وأبعادها. وتعتبر عملية التحسيس بالغة الأهمية. فكلما كانت التعبئة
مدروسة، والوسائل المستعملة في عملية الاستقطاب ناجحة، كلما كانت الاستجابة واسعة.
وإذا كان الميثاق الوطني للتربية والتكوين
قد أعطى للجمعية " صفة الشريك والمحاور ذي مصداقية ومردودية في تدبير
المؤسسات التربوية وتقويمها والعناية بها"، فإنه بالمقابل اشترط في
تأسيسها واجب نهج الشفافية والديمقراطية والجدية..." الميثاق
الوطني- المادة 16.
وفيما يخص مجالات تدخل الجمعية، فقد نصت
المادة 61 من الميثاق الوطني للتربية والتكوين على ضرورة انخراط أباء وأولياء
التلاميذ في كل الأنشطة الموجهة نحو الارتقاء بجودة وملاءمة الفضاء المدرسي، ومن
قبيل الحفاظ على التجهيزات وصيانتها، وترميم ما يحتاج إلى ترميم، وتوفير المرافق
الضرورية، كالمطاعم والمكتبات والقاعات المتعددة الوسائط، والمرافق الصحية، وربط
المدرسة بخدمات الماء والكهرباء، وبناء وترميم الطرق والمسالك لتسهيل الولوج
إليها.
كما أن هناك مجالات أخرى كثيرة تنشط فيها
الجمعية دعما لجهود المدرسة، ونذكر منها :
- المشاركة في التعبئة للتمدرس، وذلك من خلال حملات تحسيسية لتوعية السكان
بأهمية التمدرس، وخاصة تمدرس الفتاة الذي لازال لم يرق إلى المستوى
المطلوب.
- المشاركة في التصدي لأسباب الهدر للرفع من نسبة الاحتفاظ، وذلك من خلال تقديم
المساعدة للأسر وتحفيزها ماديا ومعنويا، وتتبع التغيبات والانقطاعات، واقتراح حلول
للحد منها.
- المشاركة في تدبير الحياة المدرسية، وذلك من خلال وضع تصور مشروع المؤسسة،
والمشاركة في اجتماعات مجالس المؤسسة، والمساهمة في تحديد الحاجيات من القاعات
الدراسية والتجهيزات والبنيات التحتية...
- المشاركة في تحسين جودة التعلم، من خلال تتبع نتائج التلاميذ وتقويمها، وبرمجة
الأنشطة الداعمة، وإنشاء الخزانة المدرسية، وتخصيص جوائز للمتفوقين...
- المشاركة في تنظيم الأنشطة الموازية والداعمة من خلال الاحتفاء بعيد المدرسة
والمساهمة في أنشطته، وتنظيم مسابقات ثقافية وفنية ورياضية داخل المؤسسة وبين
المؤسسات، وتنظيم رحلات لفائدة التلاميذ.
- المشاركة في دعم الأنشطة التربوية والاجتماعية من خلال توفير النقل
المدرسي، ودعم التلاميذ المحتاجين، ودعم توسيع برنامج التربية غير النظامية ومحو
الأمية، وتشجيع التعليم الأولي، وإدماج هيئة التدريس في محيط المؤسسة.
فبمثل هذه الأعمال ستتغير صورة المدرسة، فتبدو مضيافة وأكثر
جاذبية مما سيفتح شهية الأطفال للتعلم، ويزيد من حماس الأطر التربوية لتقديم خدمات
تربوية جيدة.
تلك إذن هي فلسفة الشراكة، فبالقدر الذي سينخرط الآباء والأمهات في دعم
المدرسة بالقدر الذي سينعكس ذلك على فلذات أكبادهم وعلى محيطهم، وبالقدر الذي
ستصبح فيه المدرسة أكثر عطاء، بالقدر الذي سيزداد انخرط الآباء والأمهات في دعمها.
لذا يتعين على مدير المؤسسة أن يقتنع
ويقنع الآخرين حوله أن تأسيس جمعية الآباء ليس هدفا في حد ذاته، وإنما العبرة
بتفعيلها وتحريك دواليبها. ويتطلب تفعيل دور الجمعية أولا تكوين أعضائها، ورفع
قدراتهم التدبيرية، وذلك من خلال التأطير والتكوين في مجالات التدبير والتسيير،ومن
خلال إطلاعهم على الإطار التشريعي للجمعية، والهياكل التنظيمية ومبادئ العمل
الجمعوي، وحقوق وواجبات الجمعية اتجاه المؤسسة التربوية.
وعلى مستوى التنظيم، فإن تفعيل دور
الجمعية، وضمان انخراطها في العمل الجاد والفعال يستلزم تنظيمها وهيكلتها، وذلك من
خلال خلق لجان مختلفة حسب طبيعة المهام الموكولة إليها، مثل لجنة التعبئة
والتحسيس، لجنة العلاقات مع المدرسة، لجنة الأنشطة الثقافية والرياضية، لجنة الدعم
الاجتماعي ...
2.
الجماعة المحلية :
سعيا وراء كسب رهان تعميم التعليم والرفع
من جودته، وتقريب المدرسة من روادها خصوصا في الأوساط القروية وشبه الحضرية، أكد
الميثاق الوطني للتربية والتكوين على أهمية عقد شراكات بين المدرسة والجماعة
المحلية تلتزم بموجبها هذه الأخيرة " بتخصيص أمكنة ملائمة للتدريس والقيام
بصيانتها، على أن تضطلع الدولة بتوفير التأطير والمعدات الضرورية" الميثاق
الوطني- المادة 29.
وإذا كان الميثاق الوطني قد راهن على
" تبوئ التربية والتكوين، مكانة الصدارة، ضمن أولويات الشأن الجهوي والمحلي
التي تعنى بها"، فإن ذلك لن يترجم على أرض الواقع إلا من خلال قيام الجماعات
المحلية بواجبات الشراكة مع المدرسة، وإسهامها في دعم مخططاتها الرامية إلى تعميم
تعليم جيد، وذلك من خلال :
?
توفير السكن للعاملين
بالمدرسة؛
?
الدعم المادي والمالي
للمؤسسات التربوية الموجودة داخل نفوذها،
?
نقل المواد والتجهيزات
إلى هذه المؤسسات،
?
توفير الأجهزة والآلات
الطبية للتلاميذ المحتاجين إليها؛
?
توفير اليد العاملة
لأشغال البناء والترميم التي تحتاجها المؤسسات؛
?
توفير الأدوات المدرسية
والمعينات الديالكتيكية؛
ومقابل ما عليها من واجبات اتجاه المدرسة،
يكفل الميثاق الوطني للجماعات المحلية اتجاه الدولة " حق التوجيه والتأطير وتفويض الاختصاصات
اللامركزية واللامتمركزة وحق الدعم المادي بالقدر الذي ييسر قيامها بواجباتها على
الوجه الأمثل" الميثاق الوطني للتربية والتكوين- المادة 15.
وتبقى الإشارة إلى أن إقناع الجماعة
المحلية بجدوى العمل التشاركي رهين بمدى قدرة المدير على خلق تواصل جدي وفعال من
خلال القيام بزيارات متكررة لطرح وتوضيح مشاكل المؤسسة، معتمدا في ذلك على اللباقة
في الحديث والدبلوماسية في الإقناع، متجنبا إقحام الأمور السياسية، كما يجب على
المدير أن ينسج علاقات إنسانية مع أعضاء الجماعة، ويحرص على الحضور والمشاركة في
نشاطات الجماعة، ودعوة الأعضاء لحضور التظاهرات التي تنظمها المدرسة، بالإضافة إلى
تبادل الدعم لما فيه صالح المجتمع المحلي.
3.
المنظمات غير الحكومية :
ينص الميثاق الوطني للتربية والتكوين في
مادته 29 على ضرورة " الاعتماد على المنظمات غير الحكومية ذات الخبرة
التربوية، للإسهام في تعميم التعليم على أساس دفاتر تحملات دقيقة".
والمنظمات غير الحكومية هيئات مستقلة أسست
بغرض تقديم المساعدة للأفراد والجماعات والمؤسسات. وتأخذ هذه المساعدات شكل بناءات
أو تجهيزات أو آليات أو تكوينات أو منح ...
وعادة ما تقترح المؤسسات التربوية مشاريع
على هذه المنظمات في إطار الشراكة وذلك قصد المساهمة في انجازها خاصة
ما تعلق منها بتعميم التعليم، والرفع من جودته، وتشجيع تمدرس الفتاة القروية،
وبناء دور الطالب والطالبة، والتربية غير النظامية ومحو الأمية، وتجهيز المؤسسات
بالكتب والوسائط السمعية والبصرية... وتجدر الإشارة هنا إلى أن الشراكة مع
المنظمات غير الحكومية يستدعي الجدية والنزاهة والشفافية من خلال متابعة سير
المشاريع وإعداد تقارير واطلاع أعضاء المنظمة – الشريك على فحواها، بالإضافة إلى
ضرورة الحفاظ على علاقة جيدة معهم.
4.
جمعية قدماء التلاميذ :
غالبا ما يكون بعض قدماء التلاميذ
والتلميذات في موقع يمكنهم من تقديم المساعدة للمؤسسة بشكل فعال، فقد يكون بينهم
أطر عليا ومتوسطة، وقد يكون من بينهم فعاليات اقتصادية أو اجتماعية. لذلك يجب على
المدير أن يكثف الجهود والاتصالات من أجل تأسيس هذه الجمعية إذا لم تكن موجودة،
وتحسيسها بحاجات المؤسسة بهدف دفعها للمساهمة إما بكتب وأدوات مدرسية أو هبات
مالية أو تجهيزات، أو المساهمة في أعمال البناء والترميم التي تحتاجها المدرسة.
ويعتمد المدير في إقناع وتحفيز أعضاء
الجمعية على قدراته على تشخيص حالة المؤسسة واحتياجات المتعلمين والأطر، واقتراح
مشاريع مدروسة، وتوضيح أهميتها دون محاولة فرضها.
5.
الشخصيات المنحدرة من
المنطقة :
إن أبناء المنطقة الذين أصبحوا شخصيات لهم
نفوذ معنوي أو مادي في السياسة أو الاقتصاد أو الثقافة أو الرياضة أو الإدارة...
غالبا ما يبقون مشدودين لمسقط رأسهم، فتجدهم مستعدين دائما للمساهمة في أي مبادرة
من شأنها تنمية منطقتهم، وفي هذا أمثلة كثيرة، فالعديد من مشاريع التنمية عبر
المملكة عرفت النور بفضل مساهمة الشخصيات من أبناء المنطقة، بل أن مدنا وقرى نمت
وازدهرت بفضل أبنائها الذين رغم ما وصلوا إليه من مراتب لم ينسوا يوما قراهم
ومداشرهم. وعليه فإن مدير المؤسسة مطالب بالانفتاح على هذه الشخصيات، واستدعائها
في المناسبات والحفلات، واقتراحها للرئاسة الشرفية للتظاهرات التي تنظمها المؤسسة.
وهذا من شأنه أن يحفز هذه الشخصيات للانخراط في تأهيل المؤسسة إيمانا منهم بأن
المدرسة كانت ومازالت وستظل هي الموجه لدفة التنمية.
وهكذا نخلص إلى أن واقع النموذج التشاركي
قد أصبح حقيقة مفروضة على المؤسسات التربوية، وأصبح من المفروض أن يكون المدير
مبادرا لا يبقى مكتوف الأيدي أما ما يعترضه من مشكلات بل يجتهد في البحث عن سبل
تجاوزها من خلال طرق جميع الأبواب التي يمكنها أن تمد يد العون في إطار اتفاقيات
شراكة.
وإذا اكتفينا هنا بالإشارة إلى بعض
الجهات، فهذا لا يعني أن يقتصر رؤساء المؤسسات عليها، بل يجتهدوا في الاتصال بكل
الأطراف التي جاء ذكرها في المادة 23 من الميثاق الوطني للتربية والتكوين، وذلك
بغية " مواصلة الجهد الجماعي من أجل تحقيق أهداف إصلاح التربية والتكوين،
جاعلين المصلحة العليا للوطن في هذا الميدان الحيوي فوق كل اعتبار". الميثاق
الوطني للتربية والتكوين- المادة 23 .

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire